سليمان الدخيل

147

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

ومن أعلام الأدب في بغداد الفراء تلميذ الكسائي ، وقيل لولا الفراء ما كانت العربية لأنه خلصها وضبطها ، ولولاه لسقطت العربية . لأنها كانت تتنازع ، ويذهبها كل من أراد ، ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم . فشرح الفراء النحو بطريقة واضحة مبسطة يستفيد منها الخاص والعام ، وبالإضافة إلى تمكنه من الفقه والنحو فإنه كان عالما بالنجوم والطب وأيام العرب وأشعارها « 1 » . اتصل الفراء بالمأمون ، فأمره أن يؤلف ما جمعه من أصول النحو ، وما سمع من العرب ، وأفرد له حجرات في قصره ليقيم فيها ، وظل سنتين حتى انتهى من مؤلفه « 2 » . وليس مجال هذا البحث التاريخي مناقشة الأتجاهات الأدبية لمدرستى الكوفة والبصرة ، إما يعنينا في هذا المقام إبراز هاتين المدرستين على بغداد ، فالخلفاء والأمراء العباسيون اعتمدوا على الكوفة في تأديب أولادهم ، لذلك وفد الكوفيون بكثرة إلى بغداد وتخيروا ما يناسب مجالس السمر والمنادمة من أقوال ، لذلك نراهم يتجهون باللغة والعلم اتجاها جديدا فيه البساطة والوضوح أكثر مما فعله البصريون ، وانتهى النزاع بين المدرسين - أقصد مدرستى الكوفة والبصرة - إلى اندماجهما في مدرسة واحدة ، وهي مدرسة بغداد « 3 » . ظهر في العصر العباسي الأول أدباء مشهورون مثل عبد اللّه بن المقفع ، كان شاعرا في نهاية الفصاحة والبلاغة ، ترجم من الفارسية إلى العربية ، لأنه كان ضليعا في اللغتين ، وقد ترجم كتبا منها كتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه من أقاصيص كتب باللغة السنسكريتية - وهي اللغة الهندية القديمة ، ويعد هذا الكتاب من أقدم كتب النثر في الأدب العربي ويمتاز بقوة الأسلوب ومتانة العبارة ، وله كتاب مزدك وكتاب التاريخ في سيرة أنوشروان وكتاب الأدب الكبير « 4 » .

--> ( 1 ) ياقوت ، معجم الأدباء ج 7 ص 386 . ( 2 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ج 5 ص 225 . ( 3 ) أحمد أمين : ضحى الإسلام ج 2 ص 312 . ( 4 ) ابن النديم : الفهرست ص 172 .